الغزالي

480

إحياء علوم الدين

وإن أضاف إلى المشي الإحرام من دويرة أهله فقد قيل إن ذلك من إتمام الحج ، قاله عمر وعلى وابن مسعود رضي الله عنهم في معنى قوله عز وجل : * ( وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّه ) * « 1 » وقال بعض العلماء : الركوب أفضل لما فيه من الإنفاق والمؤنة ، ولأنه أبعد عن ضجر النفس وأقل لأذاه ، وأقرب إلى سلامته وتمام حجه . وهذا عند التحقيق ليس مخالفا للأوّل ، بل ينبغي أن يفصّل ويقال : من سهل عليه المشي فهو أفضل ، فإن كان يضعف ويؤدى به ذلك إلى سوء الخلق وقصور عن عمل فالركوب له أفضل ، كما أن الصوم للمسافر أفضل وللمريض ما لم يفض إلى ضعف وسوء خلق وسئل بعض العلماء عن العمرة أيمشي فيها أو يكتري حمارا بدرهم فقال ان كان وزن الدرهم أشد عليه فالكراء أفضل من المشي ، وإن كان المشي أشد عليه كالأغنياء فالمشي له أفضل ، فكأنه ذهب فيه إلى طريق مجاهدة النفس ، وله وجه ، ولكن الأفضل له أن يمشي ويصرف ذلك الدرهم إلى خير ، فهو أولى من صرفه إلى المكاري عوضا عن ابتذال الدابة فإذا كانت لا تتسع نفسه للجمع مشقة النفس ونقصان المال فما ذكره غير بعيد فيه السادس : أن لا يركب إلا زاملة ، أما المحمل فليجتنبه إلا إذا كان يخاف من الزاملة أن لا يستمسك عليها لعذر ، وفيه معنيان : أحدهما التخفيف على البعير فان المحمل يؤذيه . والثاني اجتناب زي المترفين المتكبرين « حجّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] على راحلة وكان تحته رحل رثّ وقطيفة خلقة قيمتها أربعة دراهم » [ 2 ] « وطاف على الرّاحلة لينظر النّاس إلى هديه وشمائله » وقال صلَّى الله عليه وسلم : [ 3 ] « خذوا عنّى مناسككم » وقيل إن هذه المحامل أحدثها الحجاج وكان العلماء في وقته ينكرونها ، فروى سفيان الثوري عن أبيه أنه قال : برزت من الكوفة إلى القادسية للحج ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل وما رأيت في جميعهم إلا محملين . وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحجاج من الزي والمحامل يقول : الحاج قليل والركب كثير . ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحته جوالق فقال هذا نعم من الحجاج

--> « 1 » البقرة : 196